: آخر تحديث

حرب خامنئي البعيدة

في فلم "أشباح غويا"، الذي يتحدث عن فترة حساسة من التأريخ الاسباني والذي تزامن مع الثورة الفرنسية، نجد هناك تراکما غريبا من التناقضات مع مرور الزمن وکيف إن الراهب"لورينزو"، الذي يکون له دور أساسي في إعادة محاکم التفتيش في اسبانيا، يعود الى اسبانيا برفقة الجيش الفرنسي بعد إختفائه أو بالاحرى هروبه من الکنيسة الاسبانية بعد تورطه بصفقة يجبر فيها على التوقيع على وثيقة يعترف فيها بأنه"لقيط أصله قرد"، کأحد القادة البارزين تحت أمرة أخ نابليون المنصب کملك لأسبانيا، لکن لايدوم هذا الوضع طويلا فسرعان ماتنقلب الامور رأسا على عقب ويهرب الفرنسيون ومن ضمنهم لورينزو نفسه ولکن إصابته بجرح يتسبب في إلقاء القبض عليه ومحاکمته وإعدامه، رغم إن لورينزو کان يٶسس لمستقبل واعد ويتصور بأنه سيعيش حياة مرفهة رغيدة، لکن تجري الرياح في کثير من الاحيان بما لاتشتهي السفن، فإنتهى معدوما بعد أن رفض الالتماس والعودة"کأخ"لأحضان الکنيسة.

تراکمات الاحداث والتطورات فيما يخص القضية الايرانية والتي تموج بها التناقضات الصارخة بصورة ملفتة للنظر، تکاد أن تضع إيران أمام منعطف حاسم، والمميز في إيران وبعد مرور 40 عاما على تأسيس الجمهورية الاسلامية الايرانية، إن  الشعب ينظر ويتطلع للأمام ولايريد الالتفات للماضي، ولعل إستمرار الاحتجاجات من الانتفاضة الاخيرة، دليل واضح على ذلك، ومع إننا نعلم أن البطانة أو الدائرة الضيقة المقربة من المرشد الاعلى للنظام، هي الاطرف الاکثر تزمتا من بعد المرشد ازاء مايتطلع إليه الشعب الايراني لکنها مع ذلك قد تقبل بحلول وسط بمعنى إنها مستعدة للمساومة وبذلك فإن خامنئي سيبقى لوحده مصرا على موقفه وغير مستعد للمساومة عليه، والحقيقة إن خامنئي سواء ساوم أم لم يساوم فهو في النهاية يعتبر المسٶول الاساسي الاکبر عن کل ماجرى في إيران من بعد موت المرشد السابق، ولهذا فإنه يطاول أو بالاحرى يسعى للإستمرار بالنفس السابق والاحتماء بالحرس القديم الذي تٶکد معلومات مسربة من هان وهناك بأنهم"أي الحرس القديم"، قد قاموا بالعمل من أجل ضمان مستقبلهم عبر حسابات مفتوحة في بنوك خارج إيران وأمور مشابهة أو من هذا القبيل.

خامنئي الذي يعلم جيدا بأن الرئيس الامريکي ليس من النوع المغرم بإثارة الحروب والمواجهات العسکرية، بل هو کالتاجر المتمرس مولع بإستخدام الضغوط الاقتصادية وقوة المال أکثر من أي شئ آخر، لکن ذلك لايعني بأنه سيترك المصالح العليا للولايات المتحدة مرتبطة بهذا الجانب ويصرف النظر نهائيا عن الجانب العسکري، ومن هنا فإن المرشد الاعلى الايراني عندما يقول خلال استقباله قادة مقر الدفاع الجوي، قبل أيام، بأنه "من حيث الحسابات السياسية، لا يوجد احتمال لحرب عسكرية حاليا، ولكن في الوقت نفسه، يجب على القوات المسلحة أن تكون حذرة ومستعدة". وهذا يعني إن خامنئي يريد الاستفادة من العامل الزمني مرة أخرى ويرى الى أي حد يمکن أن تتحمل الاوضاع الداخلية في إيران حرب ترامب الاقتصادية الشرسة، مع إنه يرغب ويتمنى أن تتحمل الاوضاع الداخلية فترة أطول ذلك إن قدرة طهران الدخول في حرب مع دولة عظمى مع وجود رفض شعبي للنظام ورغبة عارمة من أجل التغيير، هي ضعيفة جدا بمختلف الحسابات، وإن الاعلام الرسمي الايراني لايمکنه أبدا من القفز على الحقائق من خلال نشر التصريحات النارية وتأکيدات على الاستمرار في تطوير القدرات الدفاعية ولاسيما الصواريخ الباليستية مع ماقد ذکر عن إرسال مجموعة من الصواريخ للعراق على أمل إستخدامها مستقبلا ضد أهداف محتملة محسوبة على واشنطن، فهذه الامور لايمکنها أن تحدث تغييرا في المعادلة القائمة، فالتعويل الاساسي يعتمد على أمرين، أولهما دعم وتإييد شعبي يحظى به النظام عند دخوله مواجهة عسکرية أو أيا کانت، وثانيهما قوة ومتانة البنية التحتية وإمکانيتها على إمتصاص زخم الضغوط الاقتصادية بشکل خاص، ولاريب من إن طهران تفتقد للأمرين معا!

حرب خامنئي البعيدة ليست مع أمريکا کما يوحي في کلامه آنف الذکر، بل إنه مع الشعب الايراني ومنظمة مجاهدي خلق، حيث يقفان معا في جبهة واحدة ضده، جبهة لازالت قائمة على الرغم من کل تلك الهجمات الشرسة التي قامت بها الاجهزة الامنية، ولأن خامنئي يعي جيدا بأنه وفي حالة دخوله لأية مواجهة خارجية وحدوث تخلخل أمني في الداخل فإن الجبهة المضادة ستتمکن وبسهولة من ملء الفراغ وإحکام القبضة على الاوضاع، ولذلك فإن الذي يمکن توقعه وإنتظاره في المستقبل المنظورللمواجهة الايرانية ـ الامريکية هو أن يبادر المرشد الاعلى الى تجرع کأس سم"إنبطاحة" مفضوحة أخرى أمام ترامب من أجل الحيلولة دون الاحتمال الاکثر سوءا، ولکن، هل يمکن للشعب الايراني أن يتجرع إهانة ذلة المرشد الاعلى بإجتراع کأس مذلة أخرى ليستمر حکمه أو بالاحرى ليستمر بٶس وحرمان ومعاناة الشعب الايراني لأعوام أخرى، العامل الزمني والصدف لعبت دورا في صنع مسارات وسياقات يمکن من خلالها للجمهورية الاسلامية الايرانية أن تستمر ولاتسقط، لکن هذه المرة الاوضاع مختلفة بالمرة فالنظام کله أشبه ب"لورينزو" الذي إستشهدنا به في بداية المقال، وهو أمام الاستسلام للشعب الايراني أو للأمريکيين، وفي الحالتين فإن المآل الى قبضة الشعب وستثبت الايام ذلك وبيننا بضعة أشهر لاغير؟!

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.