: آخر تحديث

تونس ومُعضلة نقابة التّعليم

منذ استقلال تونس عام 1956، وعلى مدى عقود طويلة، ظلّ الدخول المدرسي الذي يبدأ في أواسط شهر سبتمبر –أيلول من كل عام، حدثا كبيرا له مذاق الاحتفالات  الشعبية البهيجة إذ أنه يسمح للتونسيين بجميع مراتبهم الاجتماعية بأن يحلموا بمستقبل أفضل لأبنائهم، ولوطنهم بصفة عامة. وكان الزعيم بورقيبة الذي راهن على ما كان يُسمّيه ب"الثورة التعليمية" يعتبر طلب العلم والمعرفة أساسا للتقدم والرقي، والتخلص من كل مظاهر الجهل والتخلف.  

ولكن يبدو أن الدخول المدرسي تحوّل خلال سنوات  "ثورة لحرية الكرامة" إلى كابوس يعذب التونسيين في اليقظة وفي المنام. ففي بدايته تشرع نقابة التعليم في نشر بيانات، وإذاعة تصريحات تهدد فيها وزارة التعليم ب "سنة دراسية بيضاء". وهذا ما فعلته السنة الماضية، وفي هذه السنة أيضا . ففي مطلع هذا الشهر، طلع المشرف على هذه النقابة، وهو شعبوي مهووس بالزعامة، ودائم التشنج والهيجان مثل دون كيخوتي في معاركه مع طواحين الرّيح،  ليعلن وهو في غاية الزهو والاعتداد  بنفسه،  أن الإضرابات والاحتجاجات سوف تزداد حدة خلال السنة الدراسية المقبلة إذا لم ترضخ وزارة التعليم لمطالب  المدرّسين. لذا ليس من العجب في شيء أن يشعر التلاميذ والاولياء وعامة التونسيين، بالإحباط والمرارة  ليفقد  الدخول المدرسي  مرة أخرى بهجته وأهميته.

ورغم أن وزارة التعليم كانت قد إستجابت  في أكثر من مرة لهذه المطالب، وهي في أغلبها مادية، إلاّ أن نقابة التعليم لها قدرة فائقة على رفع سقف المطالب في كل مرة حدّ التعجيز. ومع تغوّل الاتحاد العام التونسي للشغل حتى أنه بات يتحكّم في   المشهد السياسي بقبضة من حديد، لم تعد مطالب نقابة التعليم مادية فقط، بل أصبحت سياسية أيضا. وبسبب الضغوطات التي سلطتها على الحكومة التي يرأسها يوسف الشاهد، تمت اقالة وزير التعليم  السابق،  ناجي  جلول  الذي فضح ألاعيبها، ومخططاتها التخريبية للمؤسسة التعليمية.

 واليوم، بات واضحا للعيان أنها-أي نقابة التعليم- ترغب في إقالة وزير التعليم الحالي السيد حاتم بن عثمان بسبب رفضه لمطالبها المشطة والتعجيزية. وخلال السنة الماضية، تمّ تعطيل الدروس عشرات المرات. وقام رئيس النقابة بشتم الوزير بكلمات مُقذعة تعكس مستوى أخلاقيا متدنياّ لا يليق برجل يسهر على تربية أجيال المستقبل. ومناصرة له، تظاهر المدرّسون أمام مقر الوزارة، مُطلقين شعارات لا تخلو من بذاءة، ومن عنف لفظي ومعنوي. لكأنهم من أبناء الشوارع الخلفية التي تنعدم فيها الاخلاق، وتصبح الجريمة مبررة، ومرغوبا فيها من قبل منعدمي الضمير، وأصحاب "الأنفس الميتة" بحسب تعبير المبدع الروسي الكبير نيكولا غوغول، أي أولئك الذين هم قادرون على بيع أرواح الناس حتى ولو كانوا يرقدون في قبورهم من أجل الحصول على  ما يبتغُون.

 وما يثير استياء التونسيين هو أن نقابة التعليم تركز فقط على المطالب المادية. أما القضايا الكبيرة الأخرى مثل لمخاطر التي تتهدّد المدرسة العمومية، وتردي مستوى اللغة، وانتشار العنف والتزمت في المدارس، وضرورة اعداد خطة طويلة المدى لإصلاح البرامج التعليمية، فمهملة، ومسكوت عنها. ورغم كل هذا،  ظلت قيادة الاتحاد العام  التونسي للشغل تتصرف  وكأن مثل هذه الانحرافات التي باتت تهدد مستقبل الأجيال القادمة،  لا تعنيها لا من قريب ولا من بعيد. فإن تدخلت فلكي تزيد في صبّ  المزيد من الزيت على نيران ملتهبة في حقل من التبن والقش. وهذا دليل  آخر على أن هذه القيادة حادت عن السبل  والمبادئ التي  رسمها لها الزعيمان النقابيان الكبيران، محمد علي الحامي وفرحات حشاد، اللذان كان حريصين على أن تكون المصالح الوطنية متقدمة دائما وأبدا على المصالح المادية  الضيقة. وفي هذه الأوقات العسيرة التي تعيشها تونس خصوصا على المستوى الاقتصادي، يجدر بقيادة الاتحاد  العام التونسي للشغل أن تتعظ بهما، لتجنب الانسياق وراء شعبويين مفتونين بإيديولوجيات التخريب  والتدمير والفوضى الخلاقة.    

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.