: آخر تحديث

اليابان من وجهة نظر عربية: "اماتراسواوميكامي" وثقافة الاسطورة

استفاد الشعب الياباني من ثقافة الأسطورة لكي يوحد تاريخه وشعبه ويقوم أسس حكم متأصلة، فقد طلب أحد أباطرة اليابان في نهاية القرن السابع أن يجمع التاريخ الياباني واساطيره في كتاب سمي بالكوجيكي، وقد كتبه السيد ياسومارو، على لسان الرجل ذو الذاكرة الفذة السيد هيدا نوار، ليقدمه بعد تكملته للديوان الامبراطوري في عام 712، وليسمح لي القارئ العزيز بإعطائه فكرة عن قصة الكوجيكي. فيعتبر هذا الكتاب من أحد أقدم الكتب التاريخية اليابانية الموجودة اليوم، ويعطي صورة مفصلة عن بداء تاريخ اليابان. ويجمع التاريخ مع الأسطورة، ويسجل صورة لبلاد اليابان القديمة ومعتقداته منذ عام 660 ما قبل الميلاد، والجدير بالذكر بأن الشعب الياباني يحترم القصص والأساطير القديمة، كما أنه يزور معابده بانتظام للتبرك والدعاء، فهناك ثمانين ألف معبد للشنتو، ومثلا معبد إلهة الشمس يزوره حوالي ستة مليون مواطن ياباني سنويا. وتصف قصة الكوجيكي بدء الخليقة بانشطار كتلة جرمية فصلت السماوات عن الأرض، لتنتج بينهما أوائل آلهة اليابان. ويبدأ الكتاب بوصف أسطورة ولادة ثلاثة من آلهة السماوات العليا وهم: آلهة السماوات، والمخلف لآلهة الإعجاز، والمولد لآلهة الاعجاز. وبعدها برزت من الارض نبتة صغيرة تشكلت منها آلهة أمير الأرض والزرع وآلهة الجنة والخلود. ويعتقد شعب اليابان، من خلال عقيدة الشنتو، بأن روح الأنسان لا تموت، وتبقى أبدية، تحوم حولنا في البيوت والجبال والأنهار والمعابد. كما يصف الكتاب أسطورة ولادة سبعة من الآلهة المختصين بالأرض وهم: آلهة الأرض الخالدة، والخصبة وطين الارض، والسيدات والنطفة، والحياة، وسيدة المكان العظيم، والتكامل الخارجي، وسيدة الرعب، وتلتها ولادة آلهة الذكر المضيف ازاناجي، والأخت الصغيرة آلهة الأنثى المضيف ازانامي. وتبين الأسطورة في فصلها الثالث كيف أجتمع آلهة السماوات وأمروا بزواج ازناجي وأزنامي لكي تتم ولادة ارض اليابان، فقد قدمت لهما الآلهة السهم السماوي المليء بالمجوهرات، فقاما بدفع السهم وتدويره في بحر اليابان، وهم يطفون على الجسر السماوي، مما ادى لتبلور الملح تدريجيا وترسبه وتحوله الى جزر اليابان.

وتستمر أزنامي بتكملة ولادة باقي آلهة الطبيعة، مثل آلهة الجبال والأنهار والغابات والأمواج. ويصف الكتاب كيف احترقت الاجهزة التناسلية للآلهة أزنامي بعد ان ولدت آلهة النار، فمرضت واستلقت لتستريح، وحينها يبدأ مرضها المزمن. وبعد فترة من مرضها اقترب ازناجي من ازنامي، وبداء يبكي وتحولت الدموع الى آلهة أنثى الدموع الباكية، وليشتد المرض بها فتموت ويقوم بدفنها على قمة جبل هيبا. ونلاحظ بأن الأسطورة اليابانية حاولت أن تؤكد أهمية كل ظواهر الطبيعة ومنتجاتها، حتى المرض وأعراضه وإفرازاته مهمة ومؤثرة في البيئة والطبيعة، كما أن لكل شيء أهمية متضادة، فالنار مهمة للحياة ولكن قد تكون مدمرة، والشمس أساس الحياة ولكن قد تكون سببا للجفاف وحرق الغابات، فنلاحظ مثلا في معبد إلهة الشمس بأن هناك معبد صغير مقابل لمعبد الشمس ويمثل ذلك المعبد غضب إلهة الشمس. وتعتبر المعابد المكان الذي تتردد فيه الآلهة، ومن الضروري أن تقدم للآلهة الأكل ثلاث مرات في اليوم، ويشترط أن يجهز الأكل باستعمال نار ناتجة من احتكاك قطعتين من الخشب. كما توجد بالمعابد مسرح تعزف بها الموسيقى وتمثل فيها بعض مسرحيات فن النوهه القديم، وذلك لإرضاء الآلهة ومنع غضبهم، حيث أن غضب الآلهة يترافق بالزلازل والفيضانات والرياح الشديدة والامواج القوية وحرق الغابات. وتستمر الأسطورة بوصف ولادة بقية آلهة اليابان والتي تقدر بأكثر من ستة مليون، ليولد بعدها الإمبراطور الاسطوري "جيمو" أول أباطرة اليابان، قبل الفين وستمائة وسبعة وستين سنة، وله معبد خاص في قلب جبل على المحيط، وتستمر القصة وصف تاريخ العائلة الامبراطورية اليابانية حتى القرن الخامس.

كما شدني كتاب آخر يبحث علاقة الأساطير بالأديان وضرورة خلق التوازن في فهمهما، كتبته المؤرخة البريطانية كارن أرمسترونج، وتوضح فيه بشكل جميل بأنه ومنذ بداء التاريخ، كان الإنسان ملهما بخلق الأسطورة، فمن خلالها يرضي غرائزه ويحقق أحلامه. وقد واكب تصنيف التاريخ البشري في خلق الأسطورة بثلاثة مراحل، تمثلت المرحلة الأولى بتداول الأساطير لأسرار الكون وأحلام الإنسان، ومع تقدم الحضارة البشرية العمرانية دخلت مرحلة العقائد الدينية، ومع تطور المجتمع المدني وبداء الاكتشافات العلمية دخل الإنسان مرحلة العلوم المادية والتخيلات العلمية. وقد عرف الإنسان منذ العصور القديمة بأن حياة الدنيا ليست إلا بداية لحياة أخرى، وقد أكد رجال الآثار هذه الحقيقة، بكشف ما تحوي قبور الأقدمين من كنوز جمعوها في قبورهم لأخذها لحياة الآخرة. ويعتقد الذهن البشري بأن هناك الكثير من الأشياء التي لا يستطيع المخ المادي أن يفسرها ويقتنع ماديا بوجودها، لذلك تطور التخيل في العقل البشري وبرزت الأساطير وتطورت منها مفاهيم الأديان المختلفة. وتعتبر الأساطير في عالمنا المادي اليوم خرافات غير معقولة، مع أن مخيلة الأساطير هي التي مكنت الإنسان أن يحلم في المستقبل ويكتشف علوم جديدة ويبدع. فمخيلة العلماء هي التي حملتنا إلى عالم الفضاء الخارجي فمشينا على القمر وزرعنا المريخ وسحبنا الطاقة الكهربائية من على سطح الشمس. فالأسطورة مع العلوم المادية توسع مدارك ذهن الإنسان وتحلقه في أحلام مستقبلية عجيبة، وتساعده لان يعيش الواقع الحياتي باعماقة ويحلم بتغيره وتطويره. وقد مزجت الأساطير قديما بين الإنسان والحيوان والطبيعة بتناغم جميل، وتعرضت للقوانين الأرضية والقيم الإلآهية بشكل متوازن، ولم يوجد في البداية شرخا بين عالم الآلهة والعالم البشري، ووجود الإلهة لم ينفصل عن قوة الرياح وحيوية الأنهار والبحار، ولا عن العواطف الإنسانية في الحب والكراهية والانتقام. وقد خلق الإنسان الأساطير لتساعده للتعامل مع معضلات الحياة والطبيعة بشكل حالم وسلس، كما ساعد البشر أن يعرفوا موقعهم في هذه الحياة ويتساءلون من أين أتو وكيف بدأت الحياة وما سرها وأين هم ذاهبون، كما تؤكد أرمسترونغ بأن الأسطورة هي فن ينظر الإنسان من خلاله لما وراء حوادث التاريخ ودراسته، وقد كانت خبرة السمو لما وراء الواقع المادي رغبة ونشوة إنسانية دائمة. والإيمان الديني يرفع الإنسان لهذا السمو النفسي المترافق بنشوة روحانية تطير بالإنسان لما وراء واقعه الحياتي. وحينما فقد البعض نشوة الإيمان في واقعه المادي توجه للإحساس به من خلال الأدب والشعر والموسيقى والرياضة، فالأسطورة هي كالقصة والأوبرا والباليه، وهي تصور يمجد عالمنا المنقسم والمأساوي، وتساعدنا أن نتأمل احتمالات وتساؤلات جديدة، وقد تؤدي لاكتشافات علمية وتكنولوجية مهمة. فالأسطورة هي حقيقة، ليس لان وقائعها حقيقية، بل لأنها مؤثرة في أعطائنا العمق للنظر للواقع المادي والاستلهام للإبداع لخلق مستقبل أفضل. والأسطورة هي دليل يوجهنا للتعامل مع الحياة بتناغم وغناء روحي جميل، كما يساعدنا على اكتشاف خبايا العقل الإنساني الذي لا يمكن إدراكه، وكبداية لعلم النفس. فقصص الإبطال والإلهة الموجدة ما وراء عالمنا والتي تحارب الجن والأشباح أبرزت خفايا سيكولوجية الإنسان وعلمتنا كيف نتعامل مع أزمات الإنسان النفسية الداخلية.

وبدأت حياة الإنسان بعصر الصيد منذ أكثر من عشرين ألف عام، واعتقد الإنسان بآلهة السماوات المراقبة والمحاسبة للأخطاء من خلال الكوارث الطبيعة، كما تمثل السمو الروحي بالسماء والجبال المقدسة. وانتقلت البشرية لعهد الزراعة في الألفية الثامنة قبل الميلاد، فعرف الإنسان فائدة الأرض والري، وبرزت مع العصور الزراعية آلهة السماء، فعرفت في سوريا إلهة الاشيرة، وفي بلاد ما بين النهرين إلهة اينان، وفي مصر إلهة البايسس، وفي اليونان آلهة هيرا وديميتر وافرودايت. ومع بداية عصور الحضارة العمرانية في بلاد ما بين النهرين ومصر والصين والهند وجزيرة كريت، بدأ العمل على بناء المدن وتشكيل الولايات، وأستمتع الإنسان بنشوة السيطرة والقوة فبدأت الخلافات بين الولايات، ونزلت لعنة الطمع والعنف والحروب. واعتبر أهالي الهلال الخصيب بأن مدنهم هي المكان المناسب لملاقاة الآلهة فحولت لجنان الأرض، وبدأت تقطن الآلهة المعابد في داخل المدن بجانب البشر فتقارب الإنسان مع آلهته. وقد عانت حضارة ما بين النهرين وحضارة مصر من فيضانات الأنهار، واعتبرها شعوبها غضب الآلهة فقدمت القرابين لتهدئتها، وبرزت الآلهة من المادة المقدسة الغير محددة، فامتزج الملح مع الماء المر، ولم تكن السماوات والأرض والبحار مفصولة عن بعضها، كما كانت الآلهة بدون شكل أو اسم أو مستقبل. وقد كانت أوائل آلهة التي برزت من المزج غير منفصلة من المادة المبهمة، فابسو كان إلهه الماء النهري، وتيمت إلهه البحر المالح والمومو إلهه السحب الضبابية. وقد تشكلت من هذه الآلهة المبهمة آلهة جديدة توضحت معالمها وبدأت تنفصل أجزاء الكون عن بعضها البعض، فانفصلت السماء عن الأرض، وبدأت تنفصل اليابسة عن البحار والأنهار، وبدأت الآلهة من مزيج من الماء والطين وسميت لاهمو والاهامو، وبعدها انشير وكيشار وتعني أفق السماء والبحار، ومن ثم آلهة السموات انو، والهة الأرض إياه. وقد كانوا الآلهة الجدد أكثر نشاطا فابسو غطس في قاع الأرض، واينو وإياه بنو قصورهم مع المعابد وقاعات المدن. وقد تحولت آلهة التيمت إلى آلهة خطرة وخلقت وحش ممسوخ للانتقام من ايبسو. كما بزت آلهة مختلفة في بلاد الهند والصين. ومع التطور بدأت الآلهة تبدو بعيدة عن البشر وبداء الإنسان في العمل للتعامل مع الأزمات الطبيعة، وبدأت تنتشر القصة والشعر، ومن أشهر القصائد هي أسطورة جلجامش التي ترجع تاريخها لعام ألفين وستمائة قبل الميلاد.

واستمر تطور مفهوم الآلهة والدين عند الإنسان، فبرزت الهندوسية فالبوذية فالأديان السماوية اليهودية فالمسيحية فالإسلام. وبدأت تنتشر المؤسسات الدينية وتزداد قوتها المادية والمعنوية، كما عملت القوى السياسية الاستفادة من هذه القوة السياسية الجديدة. والتفتت القوى الحاكمة لخطورة بداء سيطرة المؤسسات الدينية السياسية على عقول الإفراد، فعملت على فرض سيطرتها والاستفادة منها لتقوية مواقعها المجتمعية، فتداخل الدين بالسياسة، واستغل السياسيون الدين لمصالحهم، وبدأت تصدر قرارات سياسية في صياغة دينية. وبداء التوسع وغزو البلدان باسم الدين، فتطور الاستعمار وبدأت الحروب وعاشت البشرية معاناة الغزو والاستعمار والتفرقة العنصرية والعبودية. ومع بدء الثورة الفرنسية عام 1789، بدأت حركة التغير في المجتمعات الأوروبية وترافقت مع تغير الأنظمة الحاكمة والسياسات الإيديولوجيات المرافقة لها. فانتهى حكم الإقطاع وصودرت أموال الكنيسة، وألغيت جميع المميزات السياسية التي كانوا يستمتعوا بها رجال الدين، وتحولوا لإفراد عاديين ضمن المجتمع المدني الجديد. وبدأت تبرز الإيديولوجية والقوى السياسية القومية، وبهتت المؤسسات الدينية وقياداتها، وترافقت هذه التغيرات السياسية مع التطور العلمي والصناعي، واكتشف الإنسان بان التطور المادي العلمي سيسخر القوى الطبيعية لخدمته، وضعفت المفاهيم والقيم الدينية وبرزت الأفكار المادية والقومية والماركسية. وبدأ صراع السلطة في أوربا من جديد، واستمرت إرهاصات الثورة الفرنسية، حتى برز الإمبراطور نابليون بونابرت بعد الانقلاب عام 1804، لتبدأ حروب أوربية متتالية لم تنتهي إلا بمعاناة ودمار الحرب العالمية الثانية، مع قتل مائة وخمسين مليونا من سكان الأرض. واكتشفت أوروبا بعد تجارب مريرة قاسية بأن لا سلام ولا تنمية بلا ديمقراطية، مع ضرورة فصل الدين عن السياسة، فعملت بجد واجتهاد لتطوير نظمها الديمقراطية، وقررت أن تتجنب الحروب المستقبلية، فوحدت جهودها الصناعية والاقتصادية في سوق أوربية مشتركة ومنها الاتحاد الأوربي. كما بدأ بروز قوى جديدة بعد الحرب العالمية الثانية كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، واستمر الصراع بينهما بحروب مختلفة ساخنة وباردة. ولم تنتهي هذه الحروب إلا حينما زار الرئيس السوفيتي غوربشوف فرنسا واكتشف خلال زيارته بان التنمية الحقة تحتاج للديمقراطية، فبدأت منذ ذلك الحين التحولات الديمقراطية في دول الاتحاد السوفيتي، كما بدأت الولايات المتحدة تنفرد بجبروت السلطة في العالم، ودخلت في حروب تلو الحروب ليبداء أفول جبروتها مع بداء الألفية الثالثة وبداء بروز قوة عالمية حديده هو اقتصاد

سوق للعولمة، المعرض لثورة شعبوية جديدة. فنلاحظ عزيزي القارئ بأن تاريخ البشرية مر بتجارب مرة، ليكتشف الإنسان بأن لا أمان ولا استقرار ولا تنمية إلا بالديمقراطية. فلم ينفع الاستفادة من ديكتاتورية السياسة بالفكر الأيديولوجي أو القومي أو الديني في إدارة السياسة الدنيوية، فأين سلطة الكنيسة البابوية؟ وأين هتلر وماسوليني؟ فهل نستوعب نحن كدول المينا (دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) العبرة من تاريخ العالم وأخطائه؟ وهل سيستوعب الشعب الإيراني والإسرائيلي والتركي والعربي لهذه الدروس؟ وهل سنستفيذ من تجربة الحروب والعنف والدمار وخسارة الأرواح وترليونات الدولارات بسب أفكار قومية شوفينية بالية؟ وهل سيتوقف هولاء الذين يستغلون أسم الدين لتحقيق مصالح سياسية آنية وزائلة، من نشر الحقد وتدمير العقول ومنع الحداثة والتنمية في المنطقة؟ إلا يكفي ما نشروه من دمار وكره وانتقام وفقر وجهل؟ وهل سيعمل شعوب منطقة المنيا لتطوير الديمقراطية والتنمية معا، وبدل الجهد لتطوير سوق اقتصادية مشتركة، وتحويلها لسوق صناعية واقتصادية مشتركة؟ وهل ممكن أن تتطور هذه السوق إلى اتحاد مينا اقتصادي مستقبلي؟
 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.